الشيخ محمد رشيد رضا

56

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الركعات والركوع والسجود فيها ، وإن جوز أن يكون له حكمة عند اللّه تعالى فوق مجرد تعبدنا به ، وقد شبه الغزالي هذه الحكمة بحكمه الطبيب في تفاوت مقادير أجزاء الدواء المركب من عدة أجزاء وما ينبغي للمريض من التسليم له بذلك وإن لم يعرفه . والخمر والميسر فيهما اثم كبير وأكبره أنهما يسهلان للشيطان ايقاع العداوة والبغضاء بين السكارى والمقامرين بعضهم مع بعض ومع غيرهم ويصدان عن ذكر اللّه وعن الصلاة وهذه قبائح ذاتية فيهما وجملة القول أن اللّه تعالى خالق كل شيء وأنه يخلق بقدر ونظام وحكمة وسنن لا أنفا ولا جزافا ولا عبثا ، وأنه حكيم في خلقه وأمره لم يشرع لعباده شيئا عبثا كما أنه لم يخلقهم عبثا ، وأنه خلق الانسان قادرا مريدا فاعلا بالاختيار يرجح بحسب علمه النظري وشعوره الوجداني بعض الاعمال على بعض ويحكم على نفسه فيقدر على تكلف ما يؤلمه ولا يلائم هواه ولذته ، وان أفعاله تسند اليه ويوصف بها لأنها تقوم به وتصدر عنه باختياره لا لأنه محلها ، وتنسب إلى مشيئة اللّه تعالى من حيث إنه هو الخالق له بهذه الصفات والمعطي له هذا التصرف والاختيار ، والهادي له إلى السنن والأسباب ، والخالق لما يتعلق به عمله من الأشياء ، ولكنه تعالى لا يوصف بتلك الاعمال الاختيارية ولا تسند اليه اسناد الفعل إلى من قام به بحيث يشتق له الوصف منه فيقال أكل زيد فهو آكل وصلى عمرو فهو مصل وسرق بكر فهو سارق ، ولا يقال شيء من ذلك في الباريء تعالى . ولا يخلق اللّه تعالى شيئا قبيحا ولا شرا بل هو ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) فالخير كله بيديه والشر ليس اليه كما ورد ، وانما يطلق الشر والقبيح على بعض الاعمال التي تقع من المكلفين أو عليهم ، ويوصف بهما بعض الأشياء التي تضرهم أو تسوءهم فما يترتب عليه ألم أو ضرر لهم من أعمالهم أو من حوادث الكون يسمونه شرا بالنسبة إلى من يضره وإن كان خيرا بالنسبة إلى غيره فمن هدم المطر أو فيضان النيل داره بعد شرا له وإن كان خيرا لمن لا يحصى من الناس ، وكثيرا ما يعد الانسان الشيء شرا له لقصر نظره أو بالنسبة إلى مبدئه ويكون خيرا في الواقع أو في الغاية قال تعالى ( 24 : 11 إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ